الخميس, 07 مايو 2026
قطاع الامن والشرطة - شرطة السير
ثلاثة شبان في مقتبل العمر، ارتبطت كل حياتهم بالدراجة النارية التي كانوا يستقلونها و يعتمدون عليها لتخفف عنهم ماهم فيه من ضيق الحال و شظف العيش وتواضع حيلة أياديهم وذويهم ، ويحدوهم الأمل في استكمال دراستهم الجامعية في مراحلها النهائية ضمن طلاب كلية الهندسة قسم البرمجة.
…في الصباح الباكر غادروا منازلهم يصحبهم الأمل وترافقهم الغبطة في الوصول إلى الجامعة للحاق بالمحاضرة، مستقلين _شرا لا يرحم _ دراجاتهم النارية متحدين صعوبات الحياة وبعد المسافة والأوضاع الاقتصادية في ظل الحرب والحصار المفروض على المدينة وعلى الوطن بأكمله.
كانت أسرهم تكافح في أحلك الظروف وأصعب أيام الحياة وتسهر الليالي الطوال في سبيل تعزيز القدرات وتوفير الامكانيات لتحقيق الطموحات والأمال، ومن أجل مستقبل واعد ومزدهر لتجني ثمار جهود الجميع وتفانيهم.. لعل وعسى أن تسهم في تنمية قدرات وإمكانيات الأبناء واستثمارها رصيدا وذخرا للمستقبل في مجال التعليم ورفد سوق العمل بالخبرات والقدرات والكفاءات، متأملين وناشدين مستقبل أفضل يمسح مآسي الماضي وقهر الحاضر والواقع، وتتحسن معها الظروف المعيشة والحياة الكريمة وتعيش الفخر والاعتزاز بالإنجاز والصبر والمثابرة…
لم يكن الجميع يدرك المخاطر أو يتوقع ما يحيك لهم القضاء و يخفي القدر ويتربصهم الواقع المروري من حيث لا يحتسبوا من مفاجاءات وكوارث ومأسي لا تحتمل ولا تقوى الأسر والأهل تحمل تبعاتها.
فبينما كان المهندسون الثلاثة في طريقهم على مقربة من الكلية يتبادلون ألوانا شتى من المحادثات ممزوجة بالافكار و الروايات، ويراجعون المعلومات والبيانات، ينتقلون عبر المكان بين مواضيع مختلفة وقصص وحكايات تدور بين الآمال والأحزان والمعاناة والرجاء والرخاء، تحدي وصمود صعوبات ومعوقات يطول الحديث ويقصر، يناقشون مواضيع وقضايا التخصص والمواد الدراسية، مراجعين المحاضرات ومستشرقين الدروس والمقررات.. تتخللها لحظات صمت أحادي الجانب وثنائي وثلاثي الابعاد في اروقة التفكير الذاتي وفي الخيال الواسع يسبحون، يتبعها نقاش حاد وضحكات تتخلل الاتجاهات والمواقف بين الاتفاق والاختلاف في وجهات النظر والآراء.
وما ان وصلوا إلى مقربة من الغاية والهدف المنشود،وهناك فجأة ودون سابق إنذار وبينما هم يسيرون بسرعة كبيرة على دراجاتهم النارية فقدوا السيطرة والتحكم بها وخرجت المكابح عن الجاهزية والعمل..حاول قائد الدراجة تفادي حدوث اصطدام مع المركبات الأخرى، وتفادي كوارث دهس المشاة، وتفادي حادثة الانقلاب في وسط الطريق على الاسفلت، واللجوء بعيدا عن قارعة الطريق متجها بها نحو مساحة ترابية خالية من المشاة قرب مصنع بلوك.
متمنيا لعل؛ عسى؛ ليت، راجيا الخروج بأقل الأضرار والخسائر البشرية مع الحفاظ على حياة وسلامة زملاءه كأفضل احتمال، موجها الدراجة إلى كومة من الأتربة ومخلفات المصنع، لكن الزمان والمكان والمسافة والمساحة والسرعة والخلل الفني والميكانيكي للمركبة والوضع النفسي كل تلك العوامل والظروف؛ والقضاء والقدر كانت تتجه بهم نحو أسوء الاحتمالات..
ارتطمت الدراجة بكومة المخلفات التي لم تف بالغرض ولم تق الشرور (لا تسمن ولا تغني من جوع )لم تحقق الآمال وخيبة الرجاء ؛ لم تقهم من مخاوفهم وتحقق النجاة..
ففي الحال قضى سائق الدراجة ورحل ولحق به مباشرة أحد زملائه إثر ارتطامه بكومة المخلفات، فيما لحق بهم زميلهم الثالث بعد بضعت أيام، عقب إسعافه إلى المشفى وهو في حالة حرجة لتلقي العلاج، لكن لا سبيل في تغيير القدر المحتوم، فالموت لا يقدم ولا يؤخر إذا نزل بساحة الإنسان.
انفطرت القلوب وخيمة الاحزان بهذا المصاب الجلل وعمت الدموع وغطت المكان، فالجرح غائر في صميم المشاعر، والثقب بائن في جدار القلب لن يلتئم، وضاقت الأرض بما رحبت؛ لدى الأهل والأحباب والخلان والأقارب، والزملاء، وعسعس الليل في أروقة الكلية وغطى المكان وتمدد.
إنها كارثة بحق فقدنا خلالها ثلاثة من خيرة الرجال.. فقدت الأسر فلذات أكبادها وخيرة شبابها وبنيها، فقد المجتمع جيل ومشيدي الغد، صناع المستقبل وسواعده القوية، ومخرجات المجتمع التعليمية والتأهيلية في ضربة واحدة بحادثة مؤسفة، لم تكن الاولى ولن تكون الأخيرة! بل هي حلقة في سلسلة لانهائية من كوارث الدراجات النارية وتبعاتها المؤلمة!
فمتى نعي؟ ونوعي المجتمع، ونقي شبابنا وذوينا وذاتنا من ويلات وكوارث المرور عموما والدراجات النارية خصوصا فهي الأكثر مشاركة وارتكابا للحوادث الاكثر عنفا والاعظم فتكاً وتدميراً، فإلى متى نظل نجني مآسيها ومآقيها، التي تفوق بكثير خيرها وفوائدها؟!
بجهلنا وتجاهلنا،ووعينا وثقافتنا المرورية السلبية تستمر الحكاية مخلفة بكاءاً كل يوم على الراحلين عبرها إلى الفناء والمعاقين على الفراش.
إنها الدراجات النارية كما عهدناها تعول أسرة وتفقد ألف أسرة عائلها، تعيل شابا وتغيب آلاف الشباب، إنها الدراجات النارية للموت عنوان، وعنوان لآلاف المصائب والنوائب.