الخميس, 07 مايو 2026
قطاع الامن والشرطة - شرطة السير
الإعلام الأمني- تقرير:
لم يكن السائق الثلاثيني "أحمد" يعلم أن رحلته الصباحية لجمع قوت عائلته في أحد شوارع العاصمة المؤقتة عدن المزدحمة، ستنتهي بكرة لهب تلتهم مصدر رزقه الوحيد. وبدون أي سابق إنذار، دوّى صوت انفجار مكتوم من مؤخرة سيارته الأجرة، لتندلع النيران في ثوانٍ معدودة. لم تكن هناك فرصة للتفكير؛ مجرد رائحة غاز خانقة تلتها ألسنة لهب حاصرت المقصورة.
نجا أحمد بأعجوبة بفضل تدخل المارة، لكن سيارته تحولت إلى هيكل متفحم.
حكاية أحمد ليست لقطة عابرة من فيلم سينمائي، بل هي مشهد بات يتكرر بصدمة ومأساوية في شوارع اليمن، حيث تحولت آلاف السيارات إلى "قنابل متحركة" إثر لجوء أصحابها إلى تحويل نظام الوقود للعمل بالغاز المنزلي بدلاً من البنزين، في عملية عشوائية تفتقر لأدنى معايير السلامة.
"هندسة الموت" في الورش الخلفية
مع تفاقم الأزمات الاقتصادية والارتفاع الجنوني في أسعار الوقود، انتشرت ورش تعديل السيارات غير المرخصة كالنار في الهشيم. تفتح هذه الورش أبوابها في الأحياء السكنية لاستقبال طوابير المواطنين الباحثين عن طوق نجاة اقتصادي، متجاهلين الكارثة التقنية التي تحدث خلف الأبواب الموصدة.
تبدو العملية مغرية مالياً، لكنها هندسياً تمثل كارثة محققة؛ إذ يتم إقحام "أسطوانة غاز منزلية" — غير مصممة لتحمل ارتجاجات وضغط المركبات — في الصندوق الخلفي للسيارة. ولنقل الغاز إلى المحرك، تُستخدم خراطيم مياه بلاستيكية أو أنابيب نحاسية رديئة، مع انتزاع المنظمات الآمنة واستبدالها بمحابس يدوية بدائية لا تقي من الضغط العالي أو التسرب المفاجئ.
السيارة بطبيعتها بيئة ديناميكية مليئة بالحركة والحرارة، وإدخال أسطوانة غاز منزلي إليها يخلق مزيجاً مميتاً. الخراطيم البدائية تتآكل بسرعة بفعل اهتزاز المحرك، مما يؤدي إلى تسرب صامت للغاز وتراكمه داخل المقصورة المغلقة.
في هذه الحالة، تصبح أي شرارة من النظام الكهربائي للسيارة — حتى عند تشغيل المذياع أو النوافذ — كفيلة بإحداث انفجار كارثي. يضاف إلى ذلك درجات الحرارة العالية داخل صندوق السيارة، والتي تزيد من ضغط الغاز داخل أسطوانة غير مجهزة للتنفيس الآمن، فضلاً عن ضعف تثبيتها، ما يجعل تدحرجها عند المطبات والمنعطفات تهديداً مباشراً بتصدعها أو انفلات صمامها.
للغوص أعمق في تفاصيل هذه الظاهرة، استمعنا إلى أصوات المعنيين في الميدان. يقول أحد ميكانيكيي السيارات في ورشة محلية: "90% من التحويلات التي نراها تتم بشكل عشوائي وغير آمن تماماً. السائق يبحث عن التوفير اليومي السريع، ولا يدرك أنه يشتري موته بيده".
من جانبه، يحذر مهندس ميكانيكي متخصص في سلامة المركبات من خطورة هذا الإجراء قائلاً: "أسطوانة الغاز المنزلي مصممة لتكون ثابتة في مطبخ مهوى. وضعها داخل سيارة تتحرك وتهتز وسط حرارة عالية، يجعل منها قنبلة موقوتة بكل المقاييس الفيزيائية".
الأمر لم يعد مجرد تحذيرات نظرية، بل واقع يتعامل معه رجال الإطفاء يومياً. يؤكد ضابط في الدفاع المدني أنهم أصبحوا يتعاملون مع حرائق السيارات بشكل شبه يومي، موضحاً: "بكل أسف، التحقيقات تثبت أن أغلب هذه الحرائق الكارثية سببها الرئيسي تسرب الغاز من التمديدات العشوائية".
تنمو هذه الظاهرة في ظل فراغ رقابي ملحوظ وغياب شبه تام للجهات المختصة. لا توجد معايير فنية ملزمة، ولا فحوصات دورية لسلامة المركبات، مما أدى إلى انتعاش سوق سوداء تبيع الوهم على حساب أرواح الناس.
ولا يتوقف الخطر عند حدود الانفجار؛ فالتسرب المستمر للغازات غير المحترقة كلياً — بسبب عدم توافق محرك البنزين أصلاً مع الغاز المنزلي — يؤدي إلى تدهور حاد في جودة الهواء. كما أن التخزين العشوائي لأسطوانات الغاز في الورش يخلق بؤراً للتلوث ويهدد بكوارث تلحق أضراراً بالغة بالبيئة المنهكة.
لا يمكن إلقاء اللوم على المواطن وحده؛ فالعوز والحاجة هما الدافع الأساسي. ولكن، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، يتطلب الموقف تدخلاً حازماً يجمع بين الرقابة وتوفير البدائل.
يجب على السلطات التحرك الفوري لإغلاق الورش العشوائية، واقتصار عمليات التحويل على مراكز متخصصة ومعتمدة هندسياً، مع المنع الباتي لاستخدام الأسطوانات المنزلية في السيارات. الحل يكمن في توفير أنظمة الغاز المخصصة للمركبات (LPG) بأسعار مدعومة وتسهيلات جمركية، لتكون بديلاً آمناً واقتصادياً.
التحويل إلى الغاز قد يبدو حلاً لآلاف الأسر التي تكافح من أجل البقاء، لكنه في ظل الفوضى الحالية، مجرد "موت مؤجل". إن هذا النزيف اليومي يستدعي تدخلاً عاجلاً وصارماً، قبل أن تتحول طرقاتنا إلى ساحات حرائق مفتوحة لا تفرق بين سائق يبحث عن رزقه، وعابر سبيل لا ذنب له.