عريس منتظر يقضي في كوارث احتراق المركبات

الثلاثاء, 05 مايو 2026

Post Image

قطاع الامن والشرطة - شرطة السير

كان خالد شابا في مقتبل العمر مقبل على إقامة عرسه وتوديع مرحلة العزوبية بعد زمن من الجهود والعمل وجمع مااستطاع من تكاليف العرس وحدد موعد العرس أخيرا. 

فبعد أن عقد قران خالد  أراد ان يحصل على إجازة عرس طويلة فعزم السفر مصطحبا عقد قرانه، متمنيا الحصول على إجازة طويلة ليرتاح من العناء وضغط الحياة ويقضي قسطا من السعادة في أكناف العائلة وقرب عروسه.


 سافر خالد متوكلا على الله لا يدرك ولا يعلم ما المكتوب له على كف القدر، ودع أهله واعدا إياهم بعودة فور حصوله على مبتغاه.

 سافر حاملا الأمل باكتمال شطرا من حياته واستكمال الشطر الاخر من حياته،  برفقة عدد من المسافرين على متن باص وسط ، كان يأمل ويتمنى الوصول بالسلامة والصحة والعافية كالعادة،  لكنه ما علم ماذا يخبء له القدر. 


قضى ما قضى من الوقت على متن الباص يتبادل الاحاديث مع من حوله من المسافرين،لازلت أذكره رغم الصعوبات والتحديات والمعاناة التي عاشها، لكن الأمل كان دائما يحدوه ويصاحبه،لم ييأس يوما ما بل كان يبتسم دوما في اصعب الظروف،كان شابا خلوقا مؤدبا،جعل الصبر قيمة من قيمه والأمل الأخرى والعمل الثالثة،عاش ما عاش من عمره متسلاحا بالإيمان وحسن المعاملة، فاز بقلوب ومحبة من حولة،يسحرهم ببشاشته؛ وبحسن أخلاقه يكسبهم ويعاشرهم، كان هذا حاله وهذه حياته مع وطأت الدنيا وقسوة الحياة.


 اما الان وقد صلح وضعه وخففت الدنيا رزاياها ونوائبها عن كاهله، فلم يكون في ناظره تغيير الحال من المحال، فالصبر والعمل والإيمان تتغير الاحوال وتنقشع الهموم وتزول، وبالأمل يواجه اليأس وتتبدد الاوضاع فاستقرارها من المحال. 

 لقد إجتهد خالد وسعى وبذل، واستثمر قدراته وطاقاته وإمكانياته في سبيل طموحاته وغاياته وتحسين وضعه والعيش بكرم وسعادة وإن كانت بسيطة ومتواضعة، لكنها ثابتة ويعتز بها لكونها من بنات افكاره ودليل جدارته وصبره ومواجهته خلالها وضمن منعطفات الحياة مآسي وتحديات وأزمات وتخطاها وبدأ يجني ثمار.


كان في رحلته هذه  يتحدث مع من في الباص من السائق والركاب، ويشرد في التفكير يتذكر ويراجع ماضية ويستطلع ويخطط مستقبله لمسافات يقطعها في ثنايا الرحلة،ويتصل ويتواصل مع الأهل والاصدقاء ومن يتعايش معهم من زملاء العمل ويتراسل مع البعض الأخر…فجأة ودون سابق إنذار أنتهى كل شئ ، لقد توقفت الحياة واسدل ستارها،رفعت الأقلام وطويت صحف لكل من كان في الرحلة، أدرك البعض منهم النهاية وبعض تفاصيلها وغابت عن الأخرين الذين لم دركونها وما شعروا بهولها ثواني قليلة، لحظات يسيرة وقع الجميع في كارثة مرورية مآساوية، صدام  بين الباص ومركبة أخرى؛ أعقبها إنقلاب؛ واشتعال النيران وقضى الجميع فيها، وعاشها المجتمع وشعر وأحس واكتوا بنارها الغريب قبل البعيد و القريب.

 رحل الجميع، غيبتهم فاجعة، كانت هذه رحلتهم الأخيرة، وكانت هذه قصة وحكاية بضع ثواني ولحظات يسيرة مقتبسة من شريط ذاكرة أحدهم الأخيرة، ترأة بين بداية الحادثة وبداية ارتقاء ضحاياها  ، ولكل واحدا منهم حكاية وقصة وألف قصة، ولغيرهم من ضحايا كوارث الطرقات من القصص والروايات ما يعجز البيان عن تصديرها والانامل عن تدوينها والعالم عن حصرها والبشر عن وعيها ، فكل حكاية قطرة في محيط حوادث كوارث ومآسي الطرقات لا تنته مستمرة لا تتوقف، تنكسر أمامها الإنسانية وتعحز عن حملها المسؤولية، لا يتدبرها البشر ولا يتعظ بها الإنسان، إنها كارثة بحق وحقيقة صنعتها أسباب وعوامل معروفة ومألوفة بتجاوزات استصغرها الضالعون فيها وسواهم وأهملها المجتمع ويتنصل الجميع من حمل مسؤوليتها..

ترتقي الارواح وتنزف الدماء وتتمزق الابدان او تحترق وتتبخر،ويتنصل الجميع عن المسؤولية،ويتجاوز البعض  المحاذير ويتجاهلها وينساها البعض ويجهلها البعض فتتكرار بتكرار أسبابها وعواملها بصور وأماكن وأناس وضحايا.

 

إن الوقائع ماثلة أمامنا عيان بيان، فكوارث العرقوب والنقب وصافر وعقبة الغريب والعبر والوديعة وجعار والحوطة ولحج وطور الباحة وهيجة العبد وسيحوت خير شاهد، وضحاياها خالد وضرار وبلال ومحمد،…أنا وأنت وهم ونحن، جميعا من ضحاياها،وأسبابها لا غبار عليها تجاوز قواعد وقوانين السير، السرعة والمغامرة والمخاطرة وتجاوز الحمولة وتجاوز خاطئ وخطر، وتجاوز منع حيازة وحمل المواد الخطرة والمشتعلة،  وإهمال قائد المركبة، وتجاهله الأعطاب والأعطال القاتلة،  وتجاهل الصيانة، وتهالك المركبة، وتغيير وتبديل انواع المحروقات بطرق عشوائية ومخالفة لمواصفات الماركة والوكالة المصنعة،  وعكس المسار.. غياب المسؤولية؛ وموت الضمير؛ فساد القيم و الذمم، ضعف الرقابة تجاوز المواصفات… غياب الوعي وتدني التعليم، غياب الوازع والرادع الاجتماعي والأخلاقي. 


وتجتمع في عواملها الثلاثة السائق والطريق والمركبة الأركان الواضحة لوقوع الكارثة ويتجاهلها من يعلمها ويغظ الطرف عنها مخلا بالمسؤولية والواجب والوظيفة،  ويتجرع أفراد المجتمع وأسر الضحايا مرارتها وتبعاتها الثقيلة التي تثقل كاهله وتأرق مضجعه، وإن المجتمع ليعيش خلال الفترة فوبيا كوارث الطرقات واحتراق المركبات.